معجزة السماء
معجزة السماء
د. شيماء حسن الكندري
في الليالي العشر الأخيرة من رمضان 1440 – 2019 م ، وصلتني رسائل على الواتس آب تحث على الدعاء بتعجيل خروج مهدي آخر الزمان و نزول عيسى عليه السلام !!
تعجبت من هذا الدعاء ، فسألت عن سببه ، كانت الإجابات مابين رغبة بإثبات صحة الإسلام في وقت كثرت فيه موجات الإلحاد و التشكيك و لا سبيل إلا بمعجزة !
و حرص على نصرت الشعوب العربية في زمن لاقت فيه الويلات ولا سبيل لإصلاح الأوضاع إلا بآية عظيمة تجري على يد رجل صالح ، كما حدث مع نبي الله موسى -عليه السلام- ، شق له البحر فثبت من آمن و أغرق الظالم !
تذكرت حينها حواراً دار بيني و بين متشككة بوجوب الإيمان برسالة الإسلام حين قالت :" إن كان الله يريدنا أن نؤمن بوجوده فيجب أن يرينا معجزة تدل عليه و لو مره في السنة ! " .
الجميع يطلب المعجزات الحسية ليؤمن أو ليثبت ، إنه مسار الرسالات السماوية السابقة حيث المعجزات المتتابعة المشاهده و الشاهدة على صدق الرسالة ، تخرق بها القوانين الدنيوية لتدعم موقف رسول أو نبي ، و تنتصر للمؤمنين و تتوعد المكذبين.
إلا أن رسالة الإسلام المتسقة مع المساق العام للرسالات السماوية اتخذت لها مساراً مختلفاً ميزها بديمومة الزمان و المكان .
لذلك نجد القرآن يستعرض في عدة مواضع طلب المعارضين له و المشككين بصحته ، إنه طلب متكرر في كل الأزمنة : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}سورة البقرة 118
ورد القرآن واحد لا يتغير مع اختلاف الصيغ و هو رفض إنزال الآيات ، إن تعدد أسباب منع إنزال الآيات التي ذكرها القرآن من تكذيب الأقوام السابقين أو تعلقه بالإرادة الإلاهية ، ليحيلنا إلى مسار الإعجاز في القرآن القائم على العقل و الفكر و البلاغة ، و هو ما يجعله معجزاً مهما تقادمت الأزمان .
قد يكون ضعفنا و جهلنا أوجدا فينا إيماناً بالماديات في زمن تفوق فيه العلم ، منعنا عن رؤية أصالة إعجاز القرآن .
وبعيداً عن الإطالة ، لنستعرض آية واحدة من كتاب الله ، لنتلمس كم الإعجاز فيها و أن نعترف بأن تلاوتنا للقرآن لا تتعدى الحروف .
قال تعالى في سورة الرعد 31 : {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ }
ذكر أهل التفسير : " أن نفرا من مشركي مكة فيهم أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية المخزوميان جلسوا خلف الكعبة ، ثم أرسلوا إلى رسول الله فأتاهم ; فقال له عبد الله : إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن ، فأذهبها عنا حتى تنفسح ، فإنها أرض ضيقة ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا ، حتى نغرس ونزرع ; فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه ، وسخر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا ، ثم نرجع من يومنا ; فقد كان سليمان سخرت له الريح كما زعمت ، فلست بأهون على ربك من سليمان بن داود ، وأحي لنا قصيا جدك ، أو من شئت أنت من موتانا نسأله ، أحق ما تقول أنت أم باطل ؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى ، ولست بأهون على الله منه ، فأنزل الله تعالى : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال الآية " (انظر تفسير ابن كثير 2/670 - تفسير القرطبي ص/253)
لنبدأ باسم الله في رحاب هذه الآية :
قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ }
ابتدأ الله هذه الآية ب" لو " الشرطية غير الملزمة لجواب ، لتبحر الأذهان في قوة هذا القرآن و عظيم إعجازه ، فلو أن قرآناً ما أمكن غيركم يا قريش بمجرد تلاوته أن يسير الجبال فيتوسعوا و يحرثوا أو تقطعت و تشققت لهم الأرض فيقربوا ما أرادوا من خيرات لأنفسهم أو خاطبوا فيه أحباباً غيبهم الموت ، لكان القادر على كل ذلك هو هذا القرآن الذي بين يديك يا محمد -صلى الله عليه وسلم - .
إن جواب الشرط المحذوف يضفي توكيداً عميقاً على عظمة القوة التي يمتلكها هذا القرآن و مدى فاعليتها في الكون ، قوة تتحدى القدرة الإستيعابية للعقل البشري .
إن أبعاد الفاعلية القرآنية التي لا يمكن للعقل البشري قياس تأثيراتها ، بينها الله لنا في هذه الآية ، و هي القدرة على :
1/ تغيير تضاريس الأرض بتسيير الجبال .
2/تشكيل جغرافيتها بتقطع الأرض .
3/ تواصل عالميّ الغيب و الشهادة بصورة تكليم الموتى .
يرشدنا الله في هذا التوصيف العميق لأبعاد الفاعليه القرآنية إلى أصالة إعجاز القرآن ، و أنها تتخطى حدودو الإعجاز المادي ، الذي اعتاده الأقوام من قبل .
إنه ابتداء مرحلة جديدة من الإعجاز الغيبي القائم على الإقناع العقلي و الحجة و الهيمنة القرآنية على غيره من الكتب .
يستثير به الكمال البشري من عقل و إرادة أودعهما الله في ابن آدم .
ليغير تضاريس الأرض المادية بالإعمار و المعنوية و هي الأعظم من تسيير الجبال إنها عجلة تاريخ الأمم و صناعة الأفهام ، فإن كانت قريش ترغب بالاستزادة بالحرث ، فإن امتلاك هذا القرآن فيه حرث لحقول الذات و الحياة ما لا تتصوره العقول .
إن رحابة الفكر القرآني القائم على { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } سورة العلق 4-5 ، لقادر على قطع ما هو أصلب من الأرض، و هو جمود الفكر و جمود التقاليد ، ألم يجعل مجموعة صغيرة من العرب الذين تحيطهم الصحراء القاحلة من كل الجهات و تحكمهم التقاليد البالية إلى دعاة لتحرر الفكري و كسر قيود التبعيه التقليدية حتى أناروا العالم إيماناً و علماً .
لقد أحيا القرآن ما هو أعظم من تكليم الموتى ، إنه تكليم وقتي و إشباع لحظي لقلوب انهكها الاشتياق .
وهو أمر تجاوزه القرآن ، فلم يحيي أجساداً ماتت بل قلوباً مازالت تنبض بالحياة ، و أرواحاً عطشى للخلاص من طغيانٍ أو ظلم ، قهر ، اشتياق ، وحدة ، ضياع ، ألم ، مرض ...
إن التواصل فيه بين الغيب و الشهادة لا يتحول فيه الموتى عن الموات بل يتحول فيه الأحياء إلى الحياة .
ولهذا قال تعالى متمماً هذه الآية : { بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا }
ليس لأحد أن يحدد ما يُنَزل الله من آيات ليؤمن الناس و يصدقوا بالرسل ، و ليس لأحد الحق في تحديد أعظم المعجزات ، بل كل ذلك لله وحده .
و قد شاء الله أن لا تقف الفاعلية القرآنية على الإعجاز المادي بل شاء جل وعلا أن يتجاوز بمن آمن به حدود المادة.
و لله الأمر بامتلاك الإنسان إرادة الاختيار بين الإيمان و الكفر ، ما أعظمه من إقرار ضمني من الله جل وعلا على كون الإنسان مخير لا مسير ، إن هذه الآية لتدلل على :
1/ إثبات وحدانية الله
2 / مطلق القدرة والإرادة الإلاهية
3/ تمام الملك لله وحده
4/ الغنى المطلق لله
و تشير ضمناً إلى : سبب اصطفاء ابن آدم و هو كمال الإرادة البشرية التي تؤهله للإختيار ، وفق إدراك عقلي يتفوق به على أعظم المخلوقات .
فمن خُلق مسيراً سُخر لمن امتلك إرادت الإختيار التي يترتب عليها { فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } سورة الزمر 41
أو بعد كل ذلك العلم يتملككم اليأس !!
قال تعالى : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا }
استفهام يتعجب فيه من يأس المؤمنين من استجابة الأخرين مع علمهم أن هناك من سيكفر و يكذب و يجحد ، كيف غفلوا عن كون الأمر لله وحده ، فلو شاء لهدى الناس جميعا لكنه لم يشأ ذلك ، إنه يقرر وجود الاختلاف و التمايز بين البشر كما هو حاصل في الكون كله .
يذكرهم بأن مشيئته بإيمان الناس جميعاً ستستلب منهم قوة الإرادة و الاختيار التي هي أصل اصطفائهم .
إنه يؤكد عليهم اللتزام بما أمر به رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم- { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ } سورةالنمل91-92
فمشيئة الهداية الإلاهية تابعة لإرادة العبد و اختياره ، فمن أراد الهداية فعليه أن يسلك طريقها مخلصاً راغباً في اتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ليأتيه مدد السماء ، و من أراد الضلال و الغواية و تواكل ترك في غيّه .
قال تعالى : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَ اتَّقَىٰ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَ أَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } سورةالليل5-10
و لأن البصائر إذا عميت لا تجليها النعم ، و العقول إذا حادت لا تقومها الحجج ، بل تصر على عدم الإعتراف بوجود الخالق ، و تتعنت كفراً و شركاً ، حتى تستعجل بالعذاب استهزاءً !!
فلا فائدة من إنزال الآيات تلو الآيات على من امتلأ كِبراً و عناداً !!
فأقنعة الكِبر و العناد متى ما تلبست النفس البشرية لا يسقطهما إلا صدمات الأقدار الكونية !! – و هو واقع معاش –
و لهذا قال الله تعالى محذراً و متوعداً كل من كفر و كذب : { وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ }
فاستعمل " لا يزال " للإخبار عن الإستمرار في أمر واقع ، أمر حدث لأقوام قبلكم و سيبقى يتكرر إلى قيام الساعة .
و " القارعة " و هي ضرب جسم بجسم آخر لإحداث صوت مزعج مباغت ، إنها داهية من نوع خاص .
فما دمتم على كفركم و عنادكم بالرغم من الدلائل المرشده لكم إلى الله و رسالاته
فإن الكوارث ستقرع قلوبكم خوفا ، علّ بصائركم أن تتفتح و عقولكم أن تدرك !!
فكما أن قرع الجرس بصوته المزعج يوقظ النائم و يرشد الأعمى و ينجذب الأصم إلى اهتزازه ، فكذلك قوارع القدر تتنزل عليكم ، فتصيبكم في أنفسكم و أولادكم و أموالكم و... أو قريباً من دياركم فتفزعوا من تطاير شررها إليكم .
إنها آية مستمرة مفزعة لعلهم يتعظون و يرجعون ، قبل أن يبلغ الأمر غايته { حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ }
ختم الله هذه الآية ب" حتى" ليبين أن لهذا الأمر غاية و نهاية ، إنها غاية زمنية قد تختلف باختلاف المكان و الأشخاص .
غاية متعلقة بوعد الله الذي لا يخلف ، لم يحدد لنا ما نوع الوعد ، بل أطلقه ليشمل جميع الوعود الإلهية ، ففي هذه اللحظة الآنية المحددة ستتحقق جميع الوعود التي وعد بها الله عباده المؤمن و الكافر منهم ، المخلص و المنافق ، الصالح و العاصي ، إنه وعد يشمل وعوداً متباينة ولكل واحد منهم أسبابه و دلالاته الخاصة به .
فما نوع الوعد في هذه الآية ؟
إن سياق الآية ليرشدنا إلى ثلاثة وعود متحققه فيها ، وهي :
1/ الموت :
فالقوارع التي تفزع القلوب لن تتوقف حتى يأتيهم الأجل ، إن اعتبار الوعد هنا بالموت لهو دليل على أن القوارع عامة لا نخبوية فيها ، تفهمها العقول البشرية على اختلاف مستوياتها الفكرية – المجتمعية – التعليمة – المادية ، فالوعد بهذا التقدير يحمل على استحقاقهم للعذاب لكفرهم و عنادهم بالرغم من الآيات الكوينية على وجود الخالق ، كما في قوله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } سورة التوبة68
2/ نصر المؤمنين :
قال تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } سورة الروم47 ، إن وعد الله المتحقق يشهد له التاريخ بانتصار زمرة مؤمنه من العرب على امبراطوريات كفارس و الروم ، و ما تبعها من فتوحات شملت المشرق و المغرب ، و هو وعد نافذ لأصحاب الإيمان متى ما تحققت شروطه !
قال تعالى { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } سورة الحج40-41
و قال { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} سورة الأنبياء105
فالوعد بمعنى النصر و التمكين يكون جواباً لكل إخفاقات الأمة ، و هوان هذه الشعوب ، إن الفساد المستشري بين المسلمين لا يصلحه آية خارقة بل نفوس تاقت للإصلاح !
إن العدالة التي هي جوهر صلاح الدول ، لكفيلة بانتهاضها في كافة الميادين ، فالدول لن تصل لمستوى العدالة المطلوبة إلا بعد توفر خدمات تعليمية تواكب التقدم الثقافي و خدمات صحية ترفع مستوى الاهتمام بصحة أفرادها ، و مستوى عالى من الرقابة الذاتية و هو ما نسميه " الإحسان " .
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ، وقد عايش ضعف المسلمين و انكساراتهم و غلبة الكافرين و تفوقهم كما هو حالنا اليوم : " الله ينصر الدولة العادلة و إن كانت كافرة ، و لا ينصر الدولة الظالمة و إن كانت مؤمنة " .
و ما أوضح قول الله جل و علا في وعده بالنصر ، حاكيا ما حصل في غزوة أحد و ما ترتب على فعل الرماة المخالف لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم :{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين } آل عمران 152
إذاً فنصركم في هذه الغزوه قد صُدق في البداية إلا أنه رفع في النهاية لعدم تحقق شروطه ، لأسباب ثلاثة هي سبب تأخر استحقاقنا لوعد الله الذي لا يخلف ، و هي :
1/ الفشل ( و هو ضعف و تراخي و كسل )
2/ التنازع ( و هو تخاصم و اختلاف يفضيان إلى صراع )
3/ العصيان ( و هو عدم الانقياد للأمر ، و محاولة تغيره )
ولكم أن تتصوروا نسبة توافر هذه الأسباب في واقعنا المعاصر ؟!
جاء في الأثر أن بعض أنبياء بني إسرائيل نظر ما يصنع بهم بختنصر من إذلال و قهر و إبادة و قتل و تشريد ، فقال : " بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك و لا يرحمنا".
إن قوارع القدر التي توعد الله بها الكافرين و المشركين ما هي إلا نذارات لترهيب المعاند و إرشاد الضائع ، لا تمنع من تمكينهم في الأرض متى ما توفرت لديهم أركانه .
ولا بد من الإشارة إلى أن وعد الله بالنصر قد يكون على مستوى دول ، فيمكن لها الأمن العسكري و الاقتصادي و التطور الثقافي و التقني و الرفاهية التي باتت مقياساً لتقدمها .
وقد يكون على مستوى فردي كما أخرج مسلم في صحيحية (ح1920) عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِك ".
فهم فئة و ليسوا كل الأمة، قد تكون مجتمعه في بلد أو قطر أو متفرقة ، هم منصورون ظاهرون بتفاوت الزمان و المكان ، هم أهل علم بدين الله لذلك هم على حق ، لم يحصرهم بحملة العلم الشرعي فقط بل قد يكونوا منهم و من غيرهم من أصحاب العلوم الأخرى أو قد يكونوا أصحاب حرف متنوعة ، فعلى جهدهم و بذلهم يكون ظهورهم .
و لا يلزم من الظهور الغلبة في معركة أو قتال كما يتبادر على الأذهان ، هو أحد أنواعه لا نوعه الأوحد ، فتقيده بالقوة العسكرية فيه تحجيم لوعد الله و منقصة للقوة و الإرادة اللإلاهية – تعالى الله عن ذلك-
فمظاهر الظهور و التمكين قد تتفاوت و تتغير على ما تقتضيه الأحوال ، فمثلا القوة الاقتصادية اليوم باتت أقوى من أعتى الجيوش ، من امتلكها ساد في كل الميادين .
3/ قيام الساعة
فالمصائب القارعة تتنزل عليهم إلى يوم الحساب ، فإن أصروا على عنادهم في الدنيا
فلن ينفعهم ذلك يوم لا ينفع الندم .
و المعنى الأول و الثاني أقرب لسياق الآية و الله أعلم .
آية واحدة فيها ترسيخ للاعتقاد و رد على المنكر و المتشكك ، فيها تثبيت للمؤمن و ترهيب للمعاند ، طمئنة للمؤمن بتحقق و عد الله .. إنها عظمة القرآن
فهل سنستمر بانتظار المهدي و نزول عيسى عليه السلام
أم سنسلك طريق { وَأَعِدُّوا} سورة الأنفال 60 ؟!
د. شيماء حسن الكندري
في الليالي العشر الأخيرة من رمضان 1440 – 2019 م ، وصلتني رسائل على الواتس آب تحث على الدعاء بتعجيل خروج مهدي آخر الزمان و نزول عيسى عليه السلام !!
تعجبت من هذا الدعاء ، فسألت عن سببه ، كانت الإجابات مابين رغبة بإثبات صحة الإسلام في وقت كثرت فيه موجات الإلحاد و التشكيك و لا سبيل إلا بمعجزة !
و حرص على نصرت الشعوب العربية في زمن لاقت فيه الويلات ولا سبيل لإصلاح الأوضاع إلا بآية عظيمة تجري على يد رجل صالح ، كما حدث مع نبي الله موسى -عليه السلام- ، شق له البحر فثبت من آمن و أغرق الظالم !
تذكرت حينها حواراً دار بيني و بين متشككة بوجوب الإيمان برسالة الإسلام حين قالت :" إن كان الله يريدنا أن نؤمن بوجوده فيجب أن يرينا معجزة تدل عليه و لو مره في السنة ! " .
الجميع يطلب المعجزات الحسية ليؤمن أو ليثبت ، إنه مسار الرسالات السماوية السابقة حيث المعجزات المتتابعة المشاهده و الشاهدة على صدق الرسالة ، تخرق بها القوانين الدنيوية لتدعم موقف رسول أو نبي ، و تنتصر للمؤمنين و تتوعد المكذبين.
إلا أن رسالة الإسلام المتسقة مع المساق العام للرسالات السماوية اتخذت لها مساراً مختلفاً ميزها بديمومة الزمان و المكان .
لذلك نجد القرآن يستعرض في عدة مواضع طلب المعارضين له و المشككين بصحته ، إنه طلب متكرر في كل الأزمنة : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}سورة البقرة 118
ورد القرآن واحد لا يتغير مع اختلاف الصيغ و هو رفض إنزال الآيات ، إن تعدد أسباب منع إنزال الآيات التي ذكرها القرآن من تكذيب الأقوام السابقين أو تعلقه بالإرادة الإلاهية ، ليحيلنا إلى مسار الإعجاز في القرآن القائم على العقل و الفكر و البلاغة ، و هو ما يجعله معجزاً مهما تقادمت الأزمان .
قد يكون ضعفنا و جهلنا أوجدا فينا إيماناً بالماديات في زمن تفوق فيه العلم ، منعنا عن رؤية أصالة إعجاز القرآن .
وبعيداً عن الإطالة ، لنستعرض آية واحدة من كتاب الله ، لنتلمس كم الإعجاز فيها و أن نعترف بأن تلاوتنا للقرآن لا تتعدى الحروف .
قال تعالى في سورة الرعد 31 : {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ }
ذكر أهل التفسير : " أن نفرا من مشركي مكة فيهم أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية المخزوميان جلسوا خلف الكعبة ، ثم أرسلوا إلى رسول الله فأتاهم ; فقال له عبد الله : إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن ، فأذهبها عنا حتى تنفسح ، فإنها أرض ضيقة ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا ، حتى نغرس ونزرع ; فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه ، وسخر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا ، ثم نرجع من يومنا ; فقد كان سليمان سخرت له الريح كما زعمت ، فلست بأهون على ربك من سليمان بن داود ، وأحي لنا قصيا جدك ، أو من شئت أنت من موتانا نسأله ، أحق ما تقول أنت أم باطل ؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى ، ولست بأهون على الله منه ، فأنزل الله تعالى : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال الآية " (انظر تفسير ابن كثير 2/670 - تفسير القرطبي ص/253)
لنبدأ باسم الله في رحاب هذه الآية :
قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ }
ابتدأ الله هذه الآية ب" لو " الشرطية غير الملزمة لجواب ، لتبحر الأذهان في قوة هذا القرآن و عظيم إعجازه ، فلو أن قرآناً ما أمكن غيركم يا قريش بمجرد تلاوته أن يسير الجبال فيتوسعوا و يحرثوا أو تقطعت و تشققت لهم الأرض فيقربوا ما أرادوا من خيرات لأنفسهم أو خاطبوا فيه أحباباً غيبهم الموت ، لكان القادر على كل ذلك هو هذا القرآن الذي بين يديك يا محمد -صلى الله عليه وسلم - .
إن جواب الشرط المحذوف يضفي توكيداً عميقاً على عظمة القوة التي يمتلكها هذا القرآن و مدى فاعليتها في الكون ، قوة تتحدى القدرة الإستيعابية للعقل البشري .
إن أبعاد الفاعلية القرآنية التي لا يمكن للعقل البشري قياس تأثيراتها ، بينها الله لنا في هذه الآية ، و هي القدرة على :
1/ تغيير تضاريس الأرض بتسيير الجبال .
2/تشكيل جغرافيتها بتقطع الأرض .
3/ تواصل عالميّ الغيب و الشهادة بصورة تكليم الموتى .
يرشدنا الله في هذا التوصيف العميق لأبعاد الفاعليه القرآنية إلى أصالة إعجاز القرآن ، و أنها تتخطى حدودو الإعجاز المادي ، الذي اعتاده الأقوام من قبل .
إنه ابتداء مرحلة جديدة من الإعجاز الغيبي القائم على الإقناع العقلي و الحجة و الهيمنة القرآنية على غيره من الكتب .
يستثير به الكمال البشري من عقل و إرادة أودعهما الله في ابن آدم .
ليغير تضاريس الأرض المادية بالإعمار و المعنوية و هي الأعظم من تسيير الجبال إنها عجلة تاريخ الأمم و صناعة الأفهام ، فإن كانت قريش ترغب بالاستزادة بالحرث ، فإن امتلاك هذا القرآن فيه حرث لحقول الذات و الحياة ما لا تتصوره العقول .
إن رحابة الفكر القرآني القائم على { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } سورة العلق 4-5 ، لقادر على قطع ما هو أصلب من الأرض، و هو جمود الفكر و جمود التقاليد ، ألم يجعل مجموعة صغيرة من العرب الذين تحيطهم الصحراء القاحلة من كل الجهات و تحكمهم التقاليد البالية إلى دعاة لتحرر الفكري و كسر قيود التبعيه التقليدية حتى أناروا العالم إيماناً و علماً .
لقد أحيا القرآن ما هو أعظم من تكليم الموتى ، إنه تكليم وقتي و إشباع لحظي لقلوب انهكها الاشتياق .
وهو أمر تجاوزه القرآن ، فلم يحيي أجساداً ماتت بل قلوباً مازالت تنبض بالحياة ، و أرواحاً عطشى للخلاص من طغيانٍ أو ظلم ، قهر ، اشتياق ، وحدة ، ضياع ، ألم ، مرض ...
إن التواصل فيه بين الغيب و الشهادة لا يتحول فيه الموتى عن الموات بل يتحول فيه الأحياء إلى الحياة .
ولهذا قال تعالى متمماً هذه الآية : { بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا }
ليس لأحد أن يحدد ما يُنَزل الله من آيات ليؤمن الناس و يصدقوا بالرسل ، و ليس لأحد الحق في تحديد أعظم المعجزات ، بل كل ذلك لله وحده .
و قد شاء الله أن لا تقف الفاعلية القرآنية على الإعجاز المادي بل شاء جل وعلا أن يتجاوز بمن آمن به حدود المادة.
و لله الأمر بامتلاك الإنسان إرادة الاختيار بين الإيمان و الكفر ، ما أعظمه من إقرار ضمني من الله جل وعلا على كون الإنسان مخير لا مسير ، إن هذه الآية لتدلل على :
1/ إثبات وحدانية الله
2 / مطلق القدرة والإرادة الإلاهية
3/ تمام الملك لله وحده
4/ الغنى المطلق لله
و تشير ضمناً إلى : سبب اصطفاء ابن آدم و هو كمال الإرادة البشرية التي تؤهله للإختيار ، وفق إدراك عقلي يتفوق به على أعظم المخلوقات .
فمن خُلق مسيراً سُخر لمن امتلك إرادت الإختيار التي يترتب عليها { فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } سورة الزمر 41
أو بعد كل ذلك العلم يتملككم اليأس !!
قال تعالى : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا }
استفهام يتعجب فيه من يأس المؤمنين من استجابة الأخرين مع علمهم أن هناك من سيكفر و يكذب و يجحد ، كيف غفلوا عن كون الأمر لله وحده ، فلو شاء لهدى الناس جميعا لكنه لم يشأ ذلك ، إنه يقرر وجود الاختلاف و التمايز بين البشر كما هو حاصل في الكون كله .
يذكرهم بأن مشيئته بإيمان الناس جميعاً ستستلب منهم قوة الإرادة و الاختيار التي هي أصل اصطفائهم .
إنه يؤكد عليهم اللتزام بما أمر به رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم- { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ } سورةالنمل91-92
فمشيئة الهداية الإلاهية تابعة لإرادة العبد و اختياره ، فمن أراد الهداية فعليه أن يسلك طريقها مخلصاً راغباً في اتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ليأتيه مدد السماء ، و من أراد الضلال و الغواية و تواكل ترك في غيّه .
قال تعالى : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَ اتَّقَىٰ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَ أَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } سورةالليل5-10
و لأن البصائر إذا عميت لا تجليها النعم ، و العقول إذا حادت لا تقومها الحجج ، بل تصر على عدم الإعتراف بوجود الخالق ، و تتعنت كفراً و شركاً ، حتى تستعجل بالعذاب استهزاءً !!
فلا فائدة من إنزال الآيات تلو الآيات على من امتلأ كِبراً و عناداً !!
فأقنعة الكِبر و العناد متى ما تلبست النفس البشرية لا يسقطهما إلا صدمات الأقدار الكونية !! – و هو واقع معاش –
و لهذا قال الله تعالى محذراً و متوعداً كل من كفر و كذب : { وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ }
فاستعمل " لا يزال " للإخبار عن الإستمرار في أمر واقع ، أمر حدث لأقوام قبلكم و سيبقى يتكرر إلى قيام الساعة .
و " القارعة " و هي ضرب جسم بجسم آخر لإحداث صوت مزعج مباغت ، إنها داهية من نوع خاص .
فما دمتم على كفركم و عنادكم بالرغم من الدلائل المرشده لكم إلى الله و رسالاته
فإن الكوارث ستقرع قلوبكم خوفا ، علّ بصائركم أن تتفتح و عقولكم أن تدرك !!
فكما أن قرع الجرس بصوته المزعج يوقظ النائم و يرشد الأعمى و ينجذب الأصم إلى اهتزازه ، فكذلك قوارع القدر تتنزل عليكم ، فتصيبكم في أنفسكم و أولادكم و أموالكم و... أو قريباً من دياركم فتفزعوا من تطاير شررها إليكم .
إنها آية مستمرة مفزعة لعلهم يتعظون و يرجعون ، قبل أن يبلغ الأمر غايته { حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ }
ختم الله هذه الآية ب" حتى" ليبين أن لهذا الأمر غاية و نهاية ، إنها غاية زمنية قد تختلف باختلاف المكان و الأشخاص .
غاية متعلقة بوعد الله الذي لا يخلف ، لم يحدد لنا ما نوع الوعد ، بل أطلقه ليشمل جميع الوعود الإلهية ، ففي هذه اللحظة الآنية المحددة ستتحقق جميع الوعود التي وعد بها الله عباده المؤمن و الكافر منهم ، المخلص و المنافق ، الصالح و العاصي ، إنه وعد يشمل وعوداً متباينة ولكل واحد منهم أسبابه و دلالاته الخاصة به .
فما نوع الوعد في هذه الآية ؟
إن سياق الآية ليرشدنا إلى ثلاثة وعود متحققه فيها ، وهي :
1/ الموت :
فالقوارع التي تفزع القلوب لن تتوقف حتى يأتيهم الأجل ، إن اعتبار الوعد هنا بالموت لهو دليل على أن القوارع عامة لا نخبوية فيها ، تفهمها العقول البشرية على اختلاف مستوياتها الفكرية – المجتمعية – التعليمة – المادية ، فالوعد بهذا التقدير يحمل على استحقاقهم للعذاب لكفرهم و عنادهم بالرغم من الآيات الكوينية على وجود الخالق ، كما في قوله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } سورة التوبة68
2/ نصر المؤمنين :
قال تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } سورة الروم47 ، إن وعد الله المتحقق يشهد له التاريخ بانتصار زمرة مؤمنه من العرب على امبراطوريات كفارس و الروم ، و ما تبعها من فتوحات شملت المشرق و المغرب ، و هو وعد نافذ لأصحاب الإيمان متى ما تحققت شروطه !
قال تعالى { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } سورة الحج40-41
و قال { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} سورة الأنبياء105
فالوعد بمعنى النصر و التمكين يكون جواباً لكل إخفاقات الأمة ، و هوان هذه الشعوب ، إن الفساد المستشري بين المسلمين لا يصلحه آية خارقة بل نفوس تاقت للإصلاح !
إن العدالة التي هي جوهر صلاح الدول ، لكفيلة بانتهاضها في كافة الميادين ، فالدول لن تصل لمستوى العدالة المطلوبة إلا بعد توفر خدمات تعليمية تواكب التقدم الثقافي و خدمات صحية ترفع مستوى الاهتمام بصحة أفرادها ، و مستوى عالى من الرقابة الذاتية و هو ما نسميه " الإحسان " .
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ، وقد عايش ضعف المسلمين و انكساراتهم و غلبة الكافرين و تفوقهم كما هو حالنا اليوم : " الله ينصر الدولة العادلة و إن كانت كافرة ، و لا ينصر الدولة الظالمة و إن كانت مؤمنة " .
و ما أوضح قول الله جل و علا في وعده بالنصر ، حاكيا ما حصل في غزوة أحد و ما ترتب على فعل الرماة المخالف لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم :{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين } آل عمران 152
إذاً فنصركم في هذه الغزوه قد صُدق في البداية إلا أنه رفع في النهاية لعدم تحقق شروطه ، لأسباب ثلاثة هي سبب تأخر استحقاقنا لوعد الله الذي لا يخلف ، و هي :
1/ الفشل ( و هو ضعف و تراخي و كسل )
2/ التنازع ( و هو تخاصم و اختلاف يفضيان إلى صراع )
3/ العصيان ( و هو عدم الانقياد للأمر ، و محاولة تغيره )
ولكم أن تتصوروا نسبة توافر هذه الأسباب في واقعنا المعاصر ؟!
جاء في الأثر أن بعض أنبياء بني إسرائيل نظر ما يصنع بهم بختنصر من إذلال و قهر و إبادة و قتل و تشريد ، فقال : " بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك و لا يرحمنا".
إن قوارع القدر التي توعد الله بها الكافرين و المشركين ما هي إلا نذارات لترهيب المعاند و إرشاد الضائع ، لا تمنع من تمكينهم في الأرض متى ما توفرت لديهم أركانه .
ولا بد من الإشارة إلى أن وعد الله بالنصر قد يكون على مستوى دول ، فيمكن لها الأمن العسكري و الاقتصادي و التطور الثقافي و التقني و الرفاهية التي باتت مقياساً لتقدمها .
وقد يكون على مستوى فردي كما أخرج مسلم في صحيحية (ح1920) عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِك ".
فهم فئة و ليسوا كل الأمة، قد تكون مجتمعه في بلد أو قطر أو متفرقة ، هم منصورون ظاهرون بتفاوت الزمان و المكان ، هم أهل علم بدين الله لذلك هم على حق ، لم يحصرهم بحملة العلم الشرعي فقط بل قد يكونوا منهم و من غيرهم من أصحاب العلوم الأخرى أو قد يكونوا أصحاب حرف متنوعة ، فعلى جهدهم و بذلهم يكون ظهورهم .
و لا يلزم من الظهور الغلبة في معركة أو قتال كما يتبادر على الأذهان ، هو أحد أنواعه لا نوعه الأوحد ، فتقيده بالقوة العسكرية فيه تحجيم لوعد الله و منقصة للقوة و الإرادة اللإلاهية – تعالى الله عن ذلك-
فمظاهر الظهور و التمكين قد تتفاوت و تتغير على ما تقتضيه الأحوال ، فمثلا القوة الاقتصادية اليوم باتت أقوى من أعتى الجيوش ، من امتلكها ساد في كل الميادين .
3/ قيام الساعة
فالمصائب القارعة تتنزل عليهم إلى يوم الحساب ، فإن أصروا على عنادهم في الدنيا
فلن ينفعهم ذلك يوم لا ينفع الندم .
و المعنى الأول و الثاني أقرب لسياق الآية و الله أعلم .
آية واحدة فيها ترسيخ للاعتقاد و رد على المنكر و المتشكك ، فيها تثبيت للمؤمن و ترهيب للمعاند ، طمئنة للمؤمن بتحقق و عد الله .. إنها عظمة القرآن
فهل سنستمر بانتظار المهدي و نزول عيسى عليه السلام
أم سنسلك طريق { وَأَعِدُّوا} سورة الأنفال 60 ؟!
تعليقات