كورونا بين استبدال و تجديد


كيف تدير نشاطك التجاري بأمان لمواجهة فيروس كورونا – Wuilt Blog

كورونا بين استبدال و تجديد


د. شيماء حسن الكندري

drshimaHK@gmail.com
23 مارس 2020

الحمد لله ، الحمد لله العظيم في قدره، العزيز في قهرِه، العليم بحال العبد في سرِّه وجهره، يسمعُ أنينَ الضعيف عند قلة  صبره، ويجُودُ عليه بإعانته ونصره، أحمدُه على القدر خيرِه وشرِّه، وأشكره على القضاء حُلوه ومُرِّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الآيات الباهرة، ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ) سورةالروم: 25 ، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد :

إن ما يمر به العالم اليوم من شبه الجمود المفاجئ في حركة الحياة السريعة التي اعتادها ، من جراء انتشار فايروس كورونا ، وهذا الهلع الذي عم كل من بلدان العالم ،  و العجز من احتواء سرعة انتشاره و كأنه استلب منا وصف حياتنا الحديثة التي نعرفها لينقلنا جبرا لحياة أكثر رتابة ,أكثر هدوءاً , أكثر عمقا مع ذواتنا .

هذا التغيير و الحركة في الكون له قوانينه و سننه الثابتة التي يمكنها أن تفسر لنا ماهيته و أسبابه و دوافعه ، و مبدأ ذلك جلي في قوله : ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) سورة الرحمن29 , فلا شيء يبقى على حاله في منظومة متسقة الأركان .

إن فلسفة  التغيير في القرآن تتمركز على الوعي الفردي للإنسان لمجريات حياته العامة و الخاصة ,كما قال الله تعالى : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) الأنفال 53, فالقرآن يقر بأن الإنسان هو الدينمو المحرك لحركة التغيير في الحياة  و هو ركيزة أساسية في منظومة التغيير التي تشتمل على سنن كونية عديدة منها سنة التمكين و التدافع و التجديد و الاستبدال .

مع بداية هذا البلاء المنتشر في العالم تعالت الأصوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي باعتباره عقاباً و وبالاً على من كفر و عاند , و كأن المسلم عصي عن أثر كورونا !!

إن تفشي الظلم و الفجور و قتل النفس بغير حق و التعالي على الحق و تبرير الباطل مسايرة للحداثة و المصالح الخاصة له مدعاة للعقوبات الإلهية ، لكن أن نعطي حكماً قاطعاً  و كأننا مندوبي السماء فهذا ما لا يقبل شرعا و لا منطقا ، فمن أنت حتى تقرر ما هي حكمة الله في أقداره !

من أنت حتى تسلب حلم الله من عباده ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) سورة النحل61 
 من أنت حتى تتألى على من يقول آمراً رسوله الكريم حينما تعاظم مشركي مكه  ذنوبهم : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  ) سورة الزمر 53  
و من أنت حتى  تُصَدِر أحكامك عن الله الذي جعل أقداره تذكيراَ و بلاءه تنبيهاَ ( مَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)  سورة الإسراء  59

إن منظومة التغيير لم تنتظر فايروس كورونا لتبدأ عجلتها بالتفعيل ، إلا أن كوفيد19 تميز بعالميته السريعة جداً ، فلم يختص بقطر أو جنس , إنه ليس كأي بلاء , فتأثيره شمولي على المستوى المادي و المعنوي , المجتمعي و الفردي .. 

كما بين ذلك عدد من الدراسات التحليلية لما نمر به و خلاصتها :  العالم لن يعود كما كان قبل كورونا19 ، اقرأ واستمع إن شئت :


إن الوعي الفردي المتعمق في مجريات الأحداث على مر التاريخ حتى يومنا المعاصر , ليهز الضمائر إلى قراءة متفحصة لمآلات منظومة التغيير الرجاجة التي تمر بها الأمة ، ليقودنا عنوة إلى سنة الاستبدال الكونية التي ذكرها الله في موضعين من كتابه ، و المتسقة مع حاكمية الكتاب التي اختصت به هذه الأمة عن سائر الأمم .

فالموضع الأول التي ذكرت به متعلق بجهاد الدفع في سورة التوبة 39 ( إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)ٌ
أما الموضع الثاني فمتعلق بالجانب المادي المؤثر على السيوله الاقتصادية و هو قوله تعالى : ( هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ) سورة محمد 38

وضح لنا القرآن الأسباب الموجبة لسنة الاستبدال و قد عبر عنهما بقوله : "إلاَ تنفروا " أي إن لم تلبوا داعي النبي صلى الله عليه و سلم للجهاد و هو ما يسمى في وقتنا المعاصر بالتدافع الحضاري القائم في السابق على حدة السيف و قوة البأس و المتمثل اليوم بالقوة الصناعية , التقنية , و الإعلامية  .
  أما قوله " إن تتولوا "  فجاء في سياق البذل المالي و وفرت السيولة المالية , التي تعتبر الركيزة  للاستقرار المجتمعي و الداعمة الأساسية للنفير الحضاري كما في قوله تعالى :(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ)  سورة الأنفال 60

و قد بين القرآن بعض مظاهر التولي و الإعراض الداعيين إلى تحقق سنة الإستبدال للأمم ، من ذلك :
الإعراض عن البراءة من المشركين و موالاتهم (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) سورة التوبة 3

ترك الحق و الإعراض عنه ( فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد) سورة آل عمران   20
    عدم نصرة المسلمين  ( فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ   )  سورة التوبة129 
 الإقبال على شهوات الحياة الدنيا و ترك الآخرة (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) سورة النجم 29 
 الإمساك عن الصدقات و منع حقوق العباد : (  الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) سورة الحديد 24  
 نشر الشائعات المفضية للفساد المجتمعي ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) سورة النور 11  
و غير ذلك من المظاهر التي تأطر التولي الذي ينتاب الأمم في غياب الوعي الفردي أو ضعفه بل حتى تهميشه ليساقوا إلى سنة الاستبدال الكوني , بصورها المتنوعة التي ذكر القرآن شيئاً منها  ليتعض الغافل و يتدارك الفطن .

فقد يكون الاستبدال بفناء الأمم كما حدث لقوم صالح و ثمود ولوط ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) سورة العنكبوت40  , أو باستبدال العزة بالذل و المهانة كقوله (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)سورة القصص 5  
أحيانا يأتي الاستبدال متضمناً سنناً أخرى متعلقة بمنظومة التغيير ، كما في قوله عن تمكين قارون( إنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) سورة الكهف84

و  كذلك تضمنها لسنة العلو كما في قوله عن صحابة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ( َاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة الأنفال 26

لو رجعنا قليلا إلى الآيتين اللتين ذكرتا سنة الاستبدال ، حيث قلنا أنهما تناولتا موضوعين اثنين هما : التدافع الحضاري و الأمن المالي ، و تعمقنا أكثر متجاوزين الفهم الظاهر للفظ الآي , لوجدناهما تتحدثان عن أهم قيمة تأسيسية لبناء الأمم ، " قيمة البذل " التي لو بحثنا عن مترادفاتها في اللغة لوجدنا الإحسان , العطاء , الجود , البر , الخير , التبرع .

 فبالمحصلة هي تقديم المنفعة على أكمل وجه بطيب نفس دون انتظار العوض ، إن القرآن المٌخاطِب  للعالمين ليوضح مبادئه بأساليب متنوعه حاثاً الهمم و مقدراً اختلافات الناس في الأفهام و المقامات المجتمعية , والإمكانيات المتاحه ، إنه ينشيء أمة لا تختلف مبادئ أصحاب النفوذ فيها عن مبادئ أضعف رجل فيها .

 ففي الوقت الذي يأمر بإتمام الأمور على أكمل وجهه مع اقتران كمالها بالعداله لمن امتلك سلطة الإصلاح المجتمعي بالمرتبة الأولى( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) سورة النحل90  ، نجده يعبر عن الإحسان بهيئة حسن التعامل مع الوالدين فلا يتخلف أحد عن إيتيانه (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ) سورة الإسراء 23 ،بل ركز على تعزيزه بأن استعمل مطلق الإحسان ليشمل كل شيء ( وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) سورة البقرة195 ، حتى تجاوز أمره بالإحسان إلى البهائم و الجمادات و منها أمره على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته"أخرجه مسلم/ح1955.

إن القرآن بتأكيده على قيمة البذل بجميع مترادفاتها و بصورها المتنوعه ليوجهنا إلى طريق التحرر من عبودية الحياة و النفس إلى مطلق الإدراك البشري و التمكين من الإستخلاف الحق في الكون .

و لو نظرنا إلى الآية  الأولى لسنة الاستبدال لوجدنا فيها أنواعاً من البذل ، فالبذل بالنفس هو الظاهر لكن نجد أنواعاً من البذل متضمنه له كالبذل الفكري و الجهد العضلي  بل حتى الإبداع العقلي , أما الآية الآخرى فيظهر فيها البذل الاستثماري بمقدرات مجتمعية متنوعه لأجل تحقيق الأمن المالي .

إننا و في مثل هذه الظروف الإستثنائية التي نمر بها ، بأي بذل تميزنا ؟  و بأي عطاء تقدمنا ؟

ففي الوقت الذي اعتبرنا كرونا عقاباً , و سخرنا على من أصابهم ، هجم علينا كرونا على حين غفلة منا ، فبدأت أعيينا تلاحق من عاقبناهم نترجى علاجاً منهم !

ننتظر دراسة علمية منهم تصف لنا هذا الفايروس و تبين لنا طبيعته !

نعتمد على معقمات و مسكنات حرارة  و مسحات لاكتشاف الفايروس من صناعتهم ! !

و ننشر أخبار المرض و مستجداته بأجهزة من اختراعهم ! !

نؤمن أنفسنا غذائياً و صحياً من منتجاتهم !!

نقدم دعماً نفسياً لمجتمعاتنا بناءاً على دراساتهم !!

نعلم أبنائنا و نشغلهم بمناهج تعليمية من إعدادهم !!

ماذا قدمنا نحن لأنفسنا و للبشرية أجمع !!!

سأترك الجواب لكم .. !

 إن سنن الله الكوينية نافذه لا محاله  ، إلا أنه في الوقت الذي لا نملك تبديلها ، يمكننا تغيير طريقة تعاطينا لها أو حتى تغيير مواقعنا في مجرياتها !!

فلا فرق بين من نجى من اليم مع موسى عليه السلام و من غرق مع فرعون ، إلا مواقع خطواتهم ، أهي هاربه لله أم متابعة ظلماً و عناداً  !!

فإن كان ما حولنا يتهيأ لمرحلة تغيير جذرية ، لمَ يقف الخطاب الديني في زمكان الإسلام الأديولوجي بطائفيته و تعصبه و تعلقه بظروف اجتماعية تبدلت و أوضاع سياسية تقولبت ، و مفاهيم فكرية تلاشت ..

إن الخطاب الديني و هو في حالته الرثه اليوم بحاجه إلى تجديد حقيقي ، تجديد يتصف بالمروءة ، إن ما أعنيه بالتجديد هو العودة إلى أصول الدين القرآن و السنة الصحيحة ، دون محاباه لمذهب أو فئة أو جماعة أو فرقة ، اختر ما شئت من الأسماء الدالة على تلك الأديولوجيات الإسلامية التي اختزلت الدين في مفهوم واحد و زينت عملها بمقولة : " كل يحارب على ثغر " ، فضيقت واسعاً بقصد أو بدون قصد .

إن الخطاب الديني يحتاج لتجديد لنزيل عنه أوهام و شطحات الأعراف المجتمعية التي تعارفوا عليها و ارتضوها ، و ها نحن اليوم نعيش تبعاتها و تخبطات اختياراتها الموسومه بإسم الدين ، لا أقول ننسف صنيعها لكن ننقد معرفياً و منهجياً كل مساراتها الفكرية و التاريخية بوعي نقدي .

فعندما يأتي أحدهم مفتياً لأتباعه بالتجمع للذكر و الابتهال بالأولياء الصالحين طلبا للشفاء أو ذاك الذي يوقف بيته لإقامة صلاة الجماعة في سرداب المنزل و التكبير في الطرقات طلباً لمغفرة الله المستلزمه لرفع المرض عنا ، في وضع يوجب التباعد المجتمعي ، و نجد الأعداد تتوافد على تطبيق مثل هذه النداءات الموجهه دون إعمال عقل ، نوقن أننا أمام مصفوفات مقننه تتماشى و تلك الأديولوجيات لكنها تشترك في  التربية على اللاهوتية القائمة على الحاكمية الإلهية التي شقت البحر لموسى عليه السلام و حفظت إبراهيم عليه السلام من النار ، و نزلت بها مائدة من السماء لبني إسرائيل ..إلا أن هذه المرحلة قد تبدلت منذ بعثت الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم و قد أخبر القرآن عن هذا التجديد المتناسب مع طبيعة الخلود للدعوة الإسلامية ، و استبدالها بالحاكمية – الهيمنة -القرآنية (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ) سورة المائدة 6   

فموسى عليه السلام ضرب بعصاه البحر( فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيم) سورةالشعراء 63 , لكن الأرض لم تنشق لمحمد صلى الله عليه وسلم  خندقاً , بل مسك المعول و حفر الخندق مع صحابته رضي الله عنهم أجمعين ، إنها مرحلة معادلة كونية جديدة تعتمد على قوة الإدراك البشري و مدى فاعليتها في الحياة مع اعتماد كلي بتيسير الأمر من الله – التوكل - ، فمدد  السماء لا يتخلف عن العبد ما دام في دائرة البذل.

 أما متصدري الرد على الإلحاد و التشكيك الذين يظهرون بصورة أكثر تنويراً   فيكتب أحدهم  :" نشهد موت اللليبرالية ، الناس علموا بالتجربه أن المادية الغربية تافهة كاذبة ليس لنا إلا الله " ، و نعم بالله ، من الذي عَلِم ؟  ، أين دراستك في هذا الأمر حتى تجعلنا نشهد ؟ ، إن المادية الغربية هي التي تعمل على إيجاد لقاح لهذا المرض في الوقت الذي تشهد على تفاهتها !!

أو ذلك الذي يمارس السخف الفكري بحصر فوائد كورونا من تنمية العقل في فترة الحجر و اجبار الجميع على تغطية الوجه و... لا أنسى للأمانة العلمية كمية التسبيح و التكبير على ما كتب !!

لا نريد أن يسوقنا نقدنا للخطاب الديني لإعادت تأويل النصوص لتتفق مع التوجه الثقافي المعاصر أو العولمة الغربية ، كما سعت لذلك بعض الجماعات الإسلامية  مما حصرها قسراً في حيز المقاربات بين الإسلام و ما تحويه تلك الثقافات ، فنجعل الشورى مثلا ديمقراطية أو حيز الانتقائية فنقدم آيات التسامح مع الآخر على حساب آيات القتال و الجهاد .

إن التجديد الذي أعني هو فك الإزدواجية بين النص القرآني و السنة النبوية و بين الموروث الثقافي و التاريخي الذي أنتجته تلك الأديولوجيات الإسلامية بالرجوع إلى دلالات النصوص الشرعية و صناعة وعي فردي قادر على التمييز بين النص الشرعي و الموروث الديني ، قارد على إدراك المعرفة المستحدثة للعلوم الطبيعية و الإنسانية و بلورتها في صورة متكاملة للمفهوم الشمولي القرآني الصالح لكل زمان ومكان .

إن الإشكاليات التي تمر بها الأمه هي ذاتها التي مرت بها من قبل و هي الأسئلة المطروحة ذاتها أيضاً إلا أن البيئات و المجتمعات و الأفهام هي التي اختلفت ، لذلك لا يوجد على حد علمي المتواضع مسألة لا نظير لها في كتب التراث الإسلامي أو قريبا منها  ، غير أنها طرحت في نسق حضاري و مناهج معرفية بنسق تقليدي ، فمسألة انتصار المتغلب و تحكيم الأعراف  ، تعدد الزوجات ، و دونية المرأة عن الرجل ، الرق ، و مسألة الحريات ،الحقوق و الواجبات ، تدوير رأس المال و ما نحن مقبلون عليه من جراء هذه الأزمات ليس بلاء كورونا فقط فالعالم يغوص في مآسي الفقر و التشرد ، الإغتصاب ، القتل ، الحروب ، الطغيان المؤسسي ، مشاكل الأقليات ، هبوط أسعار الأسواق العالمية ، ...... ،  و لا ندري ما تحمله الأيام !!

إن مثل هذه المسائل تثار اليوم بصورة مختلفة تماماً لا يمكن التغاضي عن طبيعتها لما لها من تأثير نوعي على مجتمعاتنا الإسلامية ، و ما تملكه من تأثير على الوعي الفردي ، الذي يجده بديلاً عن الخطابات الدينية البالية التي تفرض عليه الإصر و الأغلال مقارنة بكم الحريات و الروئ المطروحة في الجهة الأخرى !

فهل خطابنا الديني و منابرنا مهيئة لحل قضايانا الحاضرة فضلاً عن المستقبلية، نحتاج لعلماء مجتهدين حكماء شموليون معرفياً ينتشلوا الأمة من أوهامها لصفاء الإسلام و واقعيته بعيداً عن المقارنات، الإنتقائية ، و المقاربات  .

نريد خطاباً دينياً تجديدياً إسلامي المنبع ، إسلامي الرؤى ، إسلامي بفكر شمولي متفق مع شمولية الدين و سعت آفاقه

اعتقد أنه قد حان لنا  تحديد مواقعنا بعيداً عن العاطفة بعيداً عن المصالح الشخصية ، فأن نكون بذرة للتجديد خيرٌ لنا من أن نكون رؤوساً في الإستبدال .

هذا والله أعلم .

د.شيماء حسن الكندري 







تعليقات

‏قال Unknown
جزاك الله خير يادكتورة على هذا المقال الاكثر من رائع
‏قال أيمن صالح
أحسنت دكتوره

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معجزة ‏السماء ‏